أبي منصور الماتريدي

583

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . هذا على المعتزلة ؛ لأنه أخبر عزّ وجل أنه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، ولا جائز أن يهدى وهو لا يهتدى . وهم يقولون : شاء أن يهدى ولكن لم يهتدوا . قوله : مَنْ يَشاءُ على « 1 » أن مشيئة الهداية ليست للكل على ما قالت المعتزلة : أن هدايته بيان وذلك للجميع . وفيه دليل نسخ السنة بالكتاب ؛ لأن القبلة إلى بيت المقدس لم تكن مذكورة في الكتاب ، بل عملوا على سنة الأولين الماضين ، وهذا على الشافعي ؛ لأنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنة إلا بعد عمل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فإذا عمل به صار سنة ، فهو نسخ السنة بالسنة ، لا نسخ بالكتاب . فهذا منه قبيح فاحش . وفيه نبذ الكتاب وهجره ، وقد نهينا عنه ، والتحكم على الله عزّ وجل ؛ لأنه لم يجعل الكتاب من القدر ما يقع فيه الزجر على ما كان عليه آنفا لولا علمه « 2 » صلى اللّه عليه وسلم . فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى . ولكن لم يعرف ما النسخ وما قدره ، ولو علم لما قال بمثله . وهو عندنا : ما ذكرنا « 3 » من بيان منتهى الحكم إلى وقته ، ولله جل جلاله نصب الأحكام والشرائع في كل وقت ، يبين ذلك مرة بالكتاب ، وتارة على لسان المصطفى صلى اللّه عليه وسلم . وبالله التوفيق . وكما « 4 » جعل له صلى اللّه عليه وسلم أن يعمل به ، فنسخ الكتاب فيه تلك الشريعة . فكذلك في غيره من الناس . والله أعلم . وقوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَكَذلِكَ ، لا يتكلم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلا على العطف على ما سبق من الخطاب ، وهو - والله أعلم - معطوف على قوله : قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ . . . الآية [ 136 ] ، كأنه قال : كما وفقكم على الإيمان بما ذكر ، وهداكم للإسلام ، كذلك جعلكم أُمَّةً وَسَطاً يعنى عدلا ، لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ .

--> ( 1 ) في ب : إلى . ( 2 ) في ب : عمله . ( 3 ) في أ : ذكر . ( 4 ) في ب : ولما . .